ابن القلانسي
534
تاريخ دمشق
فساد الأفرنج ، وقصد أعمال الملاعين في أواخر شوال من السنة ، وتواصلت عقيب هذه الحال الأراجيف بالملك نور الدين ، فقلقت النفوس ، وانزعجت القلوب ، فتفرقت جموع المسلمين ، واضطربت الأعمال ، وطمع الأفرنج ، فقصدوا مدينة شيزر ، وهجموها وحصلوا فيها فقتلوا وأسروا ، وانتهبوا ، وتجمع من عدة جهات خلق كثير من رجال الإسماعيلية وغيرهم ، فاستظهروا عليهم ، وقتلوا منهم ، وأخرجوهم من شيزر . واتفق وصول نصرة الدين إلى حلب ، فأغلق والي القلعة مجد الدين في وجهه الأبواب ، وعصى عليه فثارت أحداث حلب ، وقالوا : هذا صاحبنا وملكنا بعد أخيه ، وزحفوا في السلاح إلى باب البلد ، فكسروا أغلاقه ، ودخل نصرة الدين في أصحابه ، وحصل في البلد ، وقامت الأحداث على والي القلعة باللوم والإنكار والوعيد ، واقترحوا على نصرة الدين اقتراحات من جملتها إعادة رسمهم ، في التأذين « بحي على العمل ، محمد علي خير البشر » ، فأجابهم إلى ما رغبوا فيه ، وأحسن القول لهم ، والوعد ، ونزل في داره ، وأنفذ والي القلعة إلى نصرة الدين والحلبيين ، يقول : مولانا الملك العادل نور الدين حي في نفسه ، مقيم في مرضه ، وما كان إلى ما فعل حاجة تدعو إلى ما كان ، فقيل الذنب في ذاك إلى الوالي ، وكتم الحال ، وصعد إلى القلعة من شاهد نور الدين حيا يفهم ما يقول ، وما يقال له ، فأنكر ما جرى ، وقال : الآن أنا أصفح للاحداث عن هذا الخطل ، ولا أواخذهم بالزلل ، وما طلبوا إلا صلاح حال أخي ، وولي عهدي من بعدي . وشاعت الأخبار وانتشرت البشارات في الأقطار ، بعافية الملك نور الدين ، فأنست القلوب بعد الاستيحاش ، وابتهجت النفوس بعد القلق والانزعاج ، وتزايدت العافية ، وصرفت الهمم إلى مكاتبات المقدمين بالعود إلى جهاد الملاعين ، وكان نصرة الدين قد ولي مدينة حران وأضيف إليها ، وتوجه نحوها ، وكان الغيث قد أمسك عن أعمال حوران ، وعزم أهلها على ( 190 ظ )